حيدر حب الله

245

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

والتاريخ لم يتمّ التوصّل فيها إلى معايير متقاربة ، بل ما تزال الاتجاهات فيها متباعدة جدّاً ، لا سيما في العصر الحاضر الذي يشهد اختلافات حادّة في نهج التعامل مع الموروث التاريخي بالمعنى العام للكلمة ، وربما يمكن القول باستحالة التقارب التامّ في مثل هذه العلوم . وقد قلتُ سابقاً بأنّ وظيفة غير المختصّ - والذي لم تتبلور عنده قناعة سلبيّة أو إيجابيّة بهذا الحديث أو غيره - عند اختلاف التقويم بين العلماء والمختصّين ، هو عدم الإنكار ، وفي الوقت عينه عدم ترتيب الأثر على الحديث ، ولا نسبته للنبي أو الإمام أو الصحابي ولا أمثال ذلك . د - إنّني ومن منطلق انتمائي لمدرسة التشدّد في قبول الحديث ، أجد - حتى لو أردت أن أكون وسطيّاً - أنّ هناك نزعةً تسامحيّة في قبول الحديث ، لا سيما الأحاديث الكلاميّة والتاريخيّة ، تجتاح الأوساط الإسلاميّة في العقود الثلاثة الأخيرة ، وهذه النزعة لا تمارس فعل النقد ولا جرأة المواجهة مع الحديث المنقول لنا ، وهي ستفضي إلى نهج إخباري يتعبّد بكلّ الأحاديث ويقف عاجزاً عن نقدها وتقويمها ووعيها التاريخي إلا إذا كانت تنتمي لمذاهب أخرى عند المسلمين ، وإن كان يجيد التأويل والتكلّف في التفاسير . وإنّني أدعو هذا النهج الإخباري الذي يغلّف نفسه هذه المرّة بلباس الأصوليّة إلى ممارسة تفكير عقلاني غير أيديولوجي ، في الوقت الذي أرفض بشدّة نهج إقصاء الحديث بأدنى ملابسة أو مشكلة ، والذي بات يستخدمه الكثير من دعاة الحداثة والعلمانية والتجديد في أوساطنا ، فعلينا أن نضع منهجاً في التعامل مع الحديث ونخلص له ونطبّقه بأمانة ، لا بانتقائيّة ولا بتذمّر ولا بنزعة أيديولوجية تأويلية ، حذراً من الدخول في مرحلة جديدة غير محمودة من تاريخنا الفكري .